RSS
 

مغامر عماني في أدغال أفريقيا [تيبو تيب]

17 أكتوبر

في البداية اود ان اعتذر عن الإنقطاع الطويل عن الكتابة حول قراءاتي.. ليس لسبب محدد وإنما عجز وكسل.. وأود أن لايعود إلي مرة أخرى..
اليوم لدي كتاب خفيف.. ليس رواية، ولا قصة، ولافكراً.. وإنما كل الأمور مجتمعة.. كيف ذلك؟
الكتاب يتحدث عن سيرة ومسيرة.. سيرة رجل عاش في أفريقيا، ومسيرة لتلك الفترة في تلك الأماكن..
اسم الكتاب كان مغرياً لي لآخذه، عندما كنت اتجول في أروقة أحد المكتبات لفت نظري عنوان الكتاب [مغامر عماني في أدغال أفريقيا] اخذت الكتاب وقرأت منه قليلاً.. ولأني أحب أن أطلع على المجتمعات الأخرى أخذته مباشرة.. ظل الكتاب فترة حبيس الرف مع اخوته.. إلى أن كتب الله له الخلاص من ذلك الرف للإنتقال لرف القراءة.. قرأته، وبشغف.. لأنه خفيف.. ومناسب لليالي رمضان.. واسلوب الكتاب السردي..
الكتاب هو [حياة حمد بن محمد بن جمعة المرجبي المعروف بتيبو تيب. 1840-1904]. وهو من ترجمة الدكتور محمد المحروقي. ويحمل الكتاب جملة (سيرة ذاتية).
[من هنا، من خاصرة الساحل العماني أبحرت سفن الأجداد تمخر عباب المحيط الهندي في رحلة ملآ بالآمال والأحلام بمستقبل مشرق. كانت الوجهة غالباً زنجبار أو ممباسا أو غيرها من مدن شرق أفريقيا، وأحياناً إلى جزر الهند للتجارة أو جدة بالحجاز لأداء الشعيرة المقدسة].
كانت هذه أول الأسطر في مقدمة الطبعة الثانية للكتاب.. وهي تعطي نظرة شمولية لما في الكتاب حيث أنه يتحدث عن واحد من أهم أولئك الرجال الذين يرحلون إلى افريقيا لكسب القوت والمعيشة..رحل وهو طفل صغير مع ابيه واخوته، رحل إلى زنجبار.. ومن ثم بدأ حياته بالعلم، وبدأ تجارته بسلفه بلغت اثنا عشر ريالاً اشترى بها ملحاً وباعه، وهكذا نمت تجارته.. إلى أن وصل إلى مصاف التجار.. بل أكبر التجار هناك.. وليس التجارة فحسب وإنما بنى سمعة قوية له، اصبحت تهز أمراء القبائل في افريقيا،، حاربهم وانتصر عليهم.. وخضعت له افريقيا.. أصبح اسمه فقط يسبب رعباً عند الأفريقيين، اسموه بتيبو تيب وهي محاكاة صوتية لصوت إطلاق البندقية. واسموه ايضا بمكانجوانزارا وتعني الذي لايرهب أحداً. و بكينجوجوا وتعني الضبع الأرقش.
ولكنه لم يحذر المستعمر، فصادق المستعمر البلجيكي والانجليزي.. حتى غدر به البلجيكي في النهاية، وسرقت تجارته، وعاد إلى زنجبار وبنى حياته البسيطة المكونة من بيوت ومزارع وحدائق وعاش بها حتى مات سنة 1905م.
وهكذا نرى كيف ان المستعمر لايؤمن الجانب، أخذ ما أراد وترك عضده وساعده الأول في افريقيا.. فنستشف من هذه السيرة أن الصداقة المبنية على المصالح لاتدوم وقد تنقلب رأساً على عقب. كان تيبو تيب يتمثل كثيراً بقول الشاعر: ومن يفعل المعروف في غير أهله…. يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر. حيث ذهبت أمواله وقتل ولده جزاء إحسانه إلى البلجيك.
النيل والفرات:
حقق “تيبو تيب” شهرة تقترب من الأسطورة التي سارت وسرت خارقة حدود القارات واللغات والثقافات. توفرت لهذه الشخصية الأسطورية عوامل معينة صنعت رواجها وانتشارها. ولعل أهم هذه العوامل هو العامل التاريخي، فقد جاء حمد بن محمد بن جمعة بن رجب المرجبي، وهذا هو الاسم الحقيقي لتلك الشخصية، في عصر الكشوفات الجغرافية.
ومن العوامل التي شحذت بريق هذه الأسطورة هي المؤهلات القيادية أو ما يسمى بالكاريزما في شخصية تيبو تيب. فقد برزت سمات القيادة لديه منذ بداية حياته العملية التي بدأت وهو لا يزال صبياً لم يجاوز الثانية عشرة. ومن ذلك أنه عندما وجد أباه بعد افتراق طويل بينهما، حيث أن الوالد ترك ولده في زنجبار وتوجه إلى البر الإفريقي في التجارة، أراد الوالد أن يرسل الولد في أول مهمة تجارية في أدغال أفريقيا الشرسة. وأن تكون البضاعة تحت إمرة أحد التجار الخبراء من ساحل مريما. فما كان من الولد تيبو تيب إلا أن رفض ذلك بشدة مفضلاً العودة من حيث أتى من زنجبار من أن يخرج في تجارة أبيه وغيره مسؤول عنها ويصبح هو في وضع التابع. وفي ذلك ما يدل على نزعة القيادة عنده، وإلى روحه المغامرة.

وفي فترة لاحقة ترسخ نفوذ تيبو تيب في البر الأفريقي، وبدأ بالقضاء على السلاطين الزنوج أو التحكم المطلق بهم عزلاً وتثبيتاً وذلك بغرض توطيد تجارته بالسيطرة المطلقة على مصادر العاج، خاصة، وتأمين طرق تلك التجارة. والأمثلة هنا أكثر من أن تحصى وهي مبثوثة في ثنايا هذه السيرة التي هي في أغلبها حديث صريح عن ذلك.

كان “تيبو تيب” رجلاً مشهوراً وله دور بارز في توسيع التجارة العربية في تانجانيقا والكونجو الأمر الذي يمنحه أهمية تاريخية. كما تمثل سيرته أهم سيرة ذاتية عرفت في اللغة السواحلية.

وفي الفترة نفسها التي توطد فيها نفوذ تيبو تيب في داخل القارة الأفريقية انتقل الاهتمام الأوروبي بهذه القارة إلى مرحلة جديدة. انتقل من مرحلة المعاهدات ذات الصبغة التجارية و التي بدأت في فترة حكم السيد سعيد بن سلطان (1806-1856) إلى أطماع سياسية للسيطرة المباشرة على الأرض والبشر. وقد تزيت هذه الأطماع السياسية بمسوح يهدف ظاهرها إلى بث المدنية وسط الزنوج المتوحشين وإلى إشاعة الحرية والقضاء على تجارة الرقيق، أما باطنها وحقيقة أمرها فهي تهدف إلى استلاب الأرض والسيطرة على مقدرات هذه القارة من المعادن في باطنها ومختلف الخيرات من زراعة وسياحة وغير ذلك من علم ظهرها.

في السياق نفسه يأتي استغلال الأوروبيين لشخصية تيبو تيب ومعرفته بالبر الأفريقي وزعامته له. ونجد أحد المستكشفين الأوروبيين، والذين قدم لهم تيبو تيب خدمات جليلة في كشف مجاهل أفريقيا، وهو ستانلي يعود ثانية إلى زنجبار ويطلب المساعدة من تيبو تيب لتأسيس الوجود البلجيكي في قلب القارة الأفريقية. فقد جعله ملك البلجيك ليوبولد الثاني مهندساً لنا سيسمى فيما بعد “دولة الكونغو الحرة” والتابعة للملك البلجيكي. ويقبل تيبو تيب هذا الدور، الذي سيبقى وصمة عار تلاحقه، ليس جهلاً منه بالنتائج وإنما إدراكاً لمدى التحكم الذي وصل إليه الأوروبيون مما لا يترك مجالاً لرأي آخر. فالطرق جميعها مسدودة وقد يقبل منه اجتهاده وقبوله بالأمر الواقع.

وفي هذه السيرة يذكر تيبو تيب التردد الذي أبداه عندما عرض عليه ستانلي الأمر أول مرة بحضرة القنصل ا لبريطاني للضغط عليه. وكيف دفع لتوقيع اتفاق لم ينصفه أي بند من بنوده. فحتى الراتب الشهري الذي قرروه له مقابل أن يكون والياً للبلجيك هو ثلاثون جنيهاً وهو مبلغ زهيد جداً لتاجر وزعيم في حجم تيبو تيب. وإن دل ذلك على شيء فإنه يدل على مدى التحكم الأوروبي على العرب آنذاك وغطرسته في استغلال نفوذه.

وينقل تيبو تيب هذا الأمر إلى سلطانه السيد يرغش بن سعيد الذي كان أكثر إدراكاً منه لأبعاد الأطماع الأوروبية، والذي كان قد تحدث إليه في ما يشبه الخطبة المؤثرة عن حجم الكارثة مؤكداً أن سابقيه من السلاطين استراحوا بموتهم إذ لم يسمعوا بهذا الأمر. ثم نصحه بقبول العرض ولو أعطوه عشرة جنيهات فقط.

وقد جد تيبو تيب في تأسيس وتوطيد النفوذ البلجيكي فيما يعرف بمنطقة الكونغة، من خلال تأسيس مدن متفرقة ورفع العلم البلجيكي عليها، ومن خلال استمالة الزعماء العرب والزنوج لهذه الدولة، وفرض العشور -حسب تيبو تيب- أو الضرائب على تجارة العاج. وقد نجح في هذه المهمة بشكل مذهل جعلت الأوروبيين يكتبون عنه ويهتمون بسيرته عرفاناً بما قدم لهم وهو أمر آخر كفل له شهرة بعد موته.

الناشر:
تقدم هذه السيرة شخصية طموحة حفرت طريقها بأظافرها وبدأت من مرحلة الصفر وعاشت حياة مليئة بالأحداث ومليئة بتحدي المجهول. وهي أسطورة لإنسان عادي من أسرة ضعيفة غاب معيلها وتكالبت عليها الظروف. غير أن تيبو تيب يتحدى كل ذلك وينجح بشكل كبير لدرجة تجعله قادراً على التعامل وأحياناً التفاوض مع حكومات عربية وغربية التي تقدر حجم النفوذ الذي يتمتع به هذا الرجل في داخل البر الأفريقي.

 

الكتاب: مغامر عماني في أدغال أفريقيا، حياة حمد بن محمد بن جمعة المرجبي. (1840 – 1905)
ترجمة: د.محمد المحروقي.
الطبعة: الثانية 2006، منشورات الجمل
الصفحات: 210
السعر: 28 ريال.
شراء الكتاب: النيل والفرات
روابط ذات صلة: مجلة نزوى[1]، مجلة نزوى [2]، الشرح الوافي ( مغامر عماني في أدغال أفريقيا ).

 

التعليقات

 

 
  1. محمد

    17 أكتوبر 2007 في 4:06 م

    يبدو أنك أوقعتني على كنز يا قلم :)

    سأبحث عنه بدءاً من الآن :) ..

    تحياتي القلبية لك ولطرحك الراقي ..

    مُحبك ..

    [ردّ]

     
  2. Pen

    17 أكتوبر 2007 في 6:21 م

    محمد:
    مرحباً صديقي.. وأهلاً..
    الكنز الحقيقي هو تواجدك هنا :)
    الكتاب متوفر لدى مكتبة الكتاب..
    شكراً جزيلاً..
    دمت بخير وصحة

    [ردّ]

     
  3. احساس

    17 أكتوبر 2007 في 11:02 م

    أعشق أدب الرحلات..
    ويبدوا الكتاب رائع..

    لكن هل اجده في العبيكان او جرير..

    شكرا لك.. :)

    [ردّ]

     
  4. الرصاصي

    18 أكتوبر 2007 في 2:08 ص

    أنا أوافق الاخ إحساس بعشق أدب الرحلات خاصتا إذا كانت إستكشافيه للثقافات البعيده..

    1840-1905
    بالرغم من عدم قرائتي للكتاب ..
    لكن هذا التاريخ كفيل بأن ينتزع صاحب المغامره “المرجبي” من وطنه جذريا ..
    لأن ثقافته بالاجمال هي ثقافه أفريقيه .. ولا تمت بالثقافه العمانيه بصله ( إذا لم يكن له إتصال مع بلده ) ..

    سوف أعود إلى المملكه العربيه قريبا .. وسوف يكون هذا الكتاب ضمن باقه كتب مختاره سوف أقتنيها من جرير و العبيكان و المكتبه…

    بن .. عودتنا دوما على الطرح المميز :)

    [ردّ]

     
  5. Pen

    18 أكتوبر 2007 في 5:36 ص

    احساس:
    مرحباً بك عزيزي..
    أدب الرحلات أدب جميل جداً، يطلعك على العالم من خلال الكتاب.. هناك كتب كثيرة في الرحلات ولعلي أن ألقي الضوء على بعضها لاحقاً..
    بالنسبة للكتاب فلا أعلم إن كان متوفراً لدى العبيكان او جرير أم لا.. إلا أن اقتائي له كان من مكتبة الكتاب في الرياض
    شكراً لك.
    ودمت بخير

    الرصاصي:
    أهلاً ومرحباً أيها الصديق..
    كيف أنت بعد الأزمة.. أزمة الأسنان :)
    بالنسبة لتيبو تيب او المرجبي فهو قد عاش من صغره في زنجبار وماجاورها ولا اعلم إن كانت هي الآن تابعة لعمان أم لا.. إلا ان العمانيين يذكرون أنه عماني كما هو واضح في اسم الكتاب.. وللعلم فالكتاب في الأصل لم يكتب بلغة عربية وإنما تمت ترجمته للعربية..
    نتمنى عودتك عاجلاً بسلامة..
    دمت بخير وصحة وعافية
    وشكراً لإطرائك الجميل.

    [ردّ]

     
  6. محمد

    19 أكتوبر 2007 في 1:16 ص

    شكراً ع المعلومة :)

    ع العموم لم أكن سأبحث عنه في غير التراثية :D

    تحياتي عزيزي :)

    [ردّ]

     
  7. Pen

    19 أكتوبر 2007 في 12:57 م

    محمد:
    مرة أخرى.. مرحباً بك..
    نعم.. فالتراثية سابقاً والكتاب حالياً مكتبة ثرية جداً بما تحتوي..

    شكراً لك :)

    [ردّ]

     
  8. نبيل

    15 فبراير 2008 في 12:40 ص

    لقد اسعدتنا الكتب أذ حفظت لنا انجازات العديد من رجلات عمان إلا ان ما خفي أعظم ويتطلب جهود من البحث لكشب الاسرار الدفينه وأخذ العبر المفيدة.

    تشكرون على جهودكم

    [ردّ]

     
  9. Pen

    15 فبراير 2008 في 2:11 م

    نبيل:
    أهلاً ومرحباً بك عزيزي..
    أشكرك على هذا الإطراء الجميل.
    ولك عظيم الامتنان

    دم بخير

    [ردّ]

     
  10. الطائر المقيد

    7 يوليو 2008 في 8:53 م

    اسعد الله ايامك وجعل ذلك فى ميزان حسناتك

    [ردّ]

     
  11. Pen

    10 يوليو 2008 في 12:12 ص

    الطائر المقيد:
    أهلاً بك.
    شكراً لك وجزيت خيراً

    [ردّ]

     
  12. فاطمة محم

    3 فبراير 2009 في 5:00 م

    الصراحه ناااايس وفيتيني من يومين وانا

    ادور عليه

    تحــياتي
    فطـــامي

    [ردّ]

     
  13. صباحات جميلة

    4 فبراير 2009 في 11:26 ص

    عمان كونت حضارة امتدت لأقاصي البلاد وأخرجت أروع القصص وأمتعها. والكثير الكثير من الأسرار ما زالت مطوية وسيأتي اليوم الذي ترى فيه النور ويعلم بها محبي التاريخ والحضارات العريقة.

    تيبو تيب لن ينساه الأوربيين وخاصة البلجيكيين!

    اختيار موفق لكتاب لا يعرف بوجوده إلا القليل من العرب.

    [ردّ]

     
  14. شهد

    8 مارس 2009 في 6:15 م

    الموضوع وايد حلو

    [ردّ]

     
  15. حارث عبد الرحمن التكريتي

    18 أبريل 2009 في 12:36 ص

    جزاكم الله خيراً على هذه المعلومات الطيبة بوركتم

    [ردّ]