RSS
 

أرشيف ‘دعني أعود’

لك الحمد

15 أغسطس

لك الحمد، إن الرزايا عطاء..
وإن المصيبات بعض الكرم.. (السيّاب)

وها أنا ذا أنظر لسنواتي الثلاث الأخيرة وقد ركبت قطار الحياة، أنظر من نافذة القطار وهو يعبر بي إلى مالا أعرفه، أنظر لسنواتي وكأنها صور لأحوال جوية، لحظة! ماذاك؟
نعم، إنها يوم أن خرجت من الجامعة وهاهو الشاب محمد يعود بسيارته منتشياً بعد أن أنهى يومه الأخير في الجامعة وطوى أيامه الجامعية كطية لوثيقة تخرجة التي في يده.. إنه يومه الأخير ولابد أن يذّكر أصدقائه بأن اللقاء لن يموت، فلنسقية بماء الوصل والتواصل حتى نبقى كما عهدنا وتعاهدنا..
نعم، هذا أنا أصافح صديقي يوسف، ذلك الشاب الطويل اللطيف، الذي كثيراً ما تحمّل حديثي وترهاتي وجدالي حول ما اعتقد وأقرأ، وكثيراً ما نبزني بانتمائاتي الثقافية مازحاً ضاحكاً، وكثيراً ما نتبادل الافكار والحديث، والكتب، والقصائد والأبيات، ولازلت أذكر عندما ذكر لي مقطعاً لأحمد مطر (صباح هذا اليوم.. أيقظني منبه الساعة، وقال لي: يا ابن العرب! قد حان وقت النوم!) وقد كان كلاناً معجباً به. كلانا في آخر القاعة الدراسية، وغالباً مايكون بحوزتي كتاب آخر، ولو قُبض علي ومعي أحد كتبي لنُبذتُ وسط تلك القاعة المتدينة.. كنت أحمل غالباً ديواناً شعرياً، نزار قباني، غازي القصيبي، عمر أبو ريشة، أو رواية خفيفة كبعض روايات غازي القصيبي، وجازفت عدة مرات وحملت كتباً لتركي الحمد.. قرأت الكثير من الكتب في تلك القاعة، وكتبت الكثير من الخواطر والابيات فيها، وكان خيرُ مقوم لي ولكتاباتي صديقي يوسف، فلا أكتب نصاً إلا ويكون بين يديه في لحظات.. لم يكن أحد من الزملاء يعرف أنني أكتب، ولازلت أذكر تلك النظرات من بعض الزملاء عندما يرون كتاباً غريباً بين كتبي.. لا زلت أذكر يايوسف -وأعرف أنك ستقرأ هذا يوماً- تلك المراسلات بيننا، وذلك النص البئيس الذي كتبتُهُ عن النحو (أحبُ النحو يا أبتي… ) وذكرت بأنه أعجبك لبساطته، أيها البسيط.
وفيصل!! أين أنت الآن يافيصل؟ فمنذ أن تخرجت لم أرك ولم أسمع صوتك، ولا خبراً عنك.. هل استقريت في تبوك؟ أم أخذتك الدنيا لغير محلك؟ ولازلت أذكر تلك الرحلة للبدائع وقد استضافنا أنا وفيصل؛ الصديق العزيز يوسف. لأعود لمنزلي مساءاً وأكتب نصاً فاشلاً بكل المقاييس، وارسله ليوسف (والحمدُ لله قد بانت معالمُهُ.. داري. وأشكره شكراً وتسليما… ) وأرسل لفيصل نصاً آخراً ( أفيصل إني قد سعدت ولم أزل… )
أين أنتم يارفاقي؟
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما… يظنان كل الظن أن لا تلاقيا

يدخل علي أخي ويقطع علي حبل أفكاري… وأعود لنافذة القطار.. وأرى صورتي بعد التخرج، وتذبل الأماني والأحلام، لأفاجئ بالواقع، وأنظر لنفسي منهياً جُل وقتي في القراءة، والكتابة، ولم أكن بطبعي إجتماعياً.. وتنقضي السنة الأولى بعد التخرج بين الكتب والانترنت، والشعر والشعراء، والذهاب إلى الرياض عدة مرات للتقديم على الوظائف، وقد كانت أياماً مضنية منهكة، تزرع الإحباط واليأس، لم أكن جائعاً لأفكر في أكلي، ولا محتاجاً لأبحث عن أي مال، فالكتب تتزايد، والحالة المادية متزنة… ولكن الخوف من المستقبل هو الريح التي تنحت جبل الأحلام.. أرى زملائي وأصدقائي وكلٌ قد وجد عملاً جيداً، وأنظر في حالي… ماذا يجعلني هكذا؟ قدّمت على أكثر من عشرة وظائف على مدار هذه الثلاث سنوات ولم أُوفق في أيٍّ منها، وهذا ما جعل الحلم يتضائل، والأمنيات تموت، لأعود لنفسي مرة بعد أخرى استنهضها… كرهت الوقتَ يمرّ بلا تغيير، يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر.. وأحصل بتوفيق من الله على عمل مؤقت يجعلني أبدأ ببناء الأحلام مرة أخرى.. ويحزّ في نفسي سؤالهم عني، وإجابتهم (جامعي ووظيفة مؤقتة؟!) لأحاول البحث عن وظيفة أخرى، وبعد سنة ونصف أجد فرجاً ونوراً..
أجد اسمي في وظيفة حكومية على المرتبة السادسة، وتطول الأيام منتظراً إكمال إجراءات الوظيفة، وأبقى شاتماً للبيروقراطية، وأقدمّ على وظيفة أخرى، مستبعداً أن أُقبلُ فيها رغم قربها إلى نفسي.. وأجد مرة أخرى الأمل عائداً والحُلم أصبح شبه حقيقة، التعليم، وتكتمل إجراءات الوظيفة الأخرى في التعليم قبل تلك الوظيفة. وأُقبَلُ ولله الحمد، وفي نفس الوقت تكتمل إجراءات تلك الوظيفة، وأخبرهم بعدم رغبتي فيها. فلله الحمد والمنّة.
لا زلت أحن لتلك الأيام التي أقرأ فيها الكثير من الكتب، عكس حالي الآن فلا أكاد أنهي في الشهر إلا كتاباً.. لازلت غير راضٍ عن نفسي، حتى الشعر هجرني، فلعله أن يعود في لاحق الأيام، ولعل روحي القرائية والكتابية أن تنبثق مرة أخرى، وأجدد دمائي، وأهجر الكسل.

 

لك الحمد… والأحلام ضاحكةُ الثغرِ ***  لك الحمد… والأيامُ داميةُ الظفرِ
لك الحمد… والأفراح ترقصُ في دمي***    لك الحمد… والأتراح تعصف في صدري
لك الحمد… لا أوفيك حمداً.. وإن طغى ***    زماني… وإن لَجّت لياليهِ في الغدرِ

***

قصدتك، يا ربّاه، والأفقُ أغبرٌ ***    وفوقيَ من بلوايَ قاصمة الظهرِ
قصدتك، يا ربّاه، والعمرُ روضةٌ ***    مُروَّعة الأطيار، واجمة الزهرِ
أجرُّ من الآلام ما لا يطيقه ***    سوى مؤمنٍ يعلو بأجنحة الصبرِ

وأكتم في الأضلاع ما لو نشرته ***    تعجّبتِ الأوجاع مني.. ومن سرّي
ويشمت بي حتّى على الموت طغمةٌ ***    غدت في زمان المكر أسطورة المكرِ
ويرتجزُ الأعداءُ هذا برمحه ***    وهذا بسيفٍ حدّهُ ناقعُ الحبرِ

الأبيات للرائع: غازي القصيبي

 

دعني أعود.. [ذكريات شاردة]

12 يوليو


ورجلي تطأ عتبة الباب، وأنا أدخل البيت. مرّ في خاطري عبير فكرة أجدها جميلة عندما تكتمل ومرهقة إن لم أستطع إكمالها، فكرت فيها قليلاً ووجدت أنه جميلٌ أن أبدأ بها. الفكرة ليست جديدة، بل قديمة كل القِدم، فقد سبقني إليها الكثير الكثير، من أدباء ومفكرين وعلماء وتجار وغيرهم.
إنها تتلخص في كتابتي لمذكراتي، أو لشيء من ذكرياتي، وقد لاتجدون فيها شيئاً ذا أهمية، ولكن كتسلية لنفسي، وتجربة لي، وقضاء جزء يسير من يومي معكم عن قرب. فلا تتوقعوا أن تجدوا معلومات جديدة، أو اكتشافات مبهرة. ولست كالشيخ علي الطنطاوي حينما كتب مذكراته، فهو عالم أديب وأديب عالم، ويكفي أن نقرأ له مقالة واحدة لنرى من هو الشيخ علي، ونعرف الفرق بينه وبين غيره.

بالطبع، فلن أستطيع أن أكتب كل أيامي وسنواتي، فأنا أعبر سنتي الرابعة والعشرين الآن، وهل لعقل بشري أن يتذكر كل مامر عليه خلال السنوات العشر الاخيرة، فضلاً عن اربع وعشرين سنة.

شريط أيامي يمر أمام ناظري وأنا اقلب رأيي فيه، ولكني حتى الآن لم أُسَرّ بفعل فعلته، أو قرار أتخذته، إلا أنني سعيد بأني لم أُخلِف مسيرتي بشيء يعود علي بالضرر، فالحمد لله أنني بعيد عن السوء والشر الأشر، ولم أسلك درباً أندم عليه فأثر علي من قرب.
وجودي في عائلة كبيرة، وكوني لست ابناً بِكراً أو أخيراً جعلني أعيش بعيداً عن جانب الدلال والرفاهية التي أراها لدى بعض الأقران، صحيح أنني أغتاظ -ذلك الوقت- عندما أرى اقراني بيديهم شيء لا أستطيع أن أتفوه طالباً من ابي أن أحصل على شيء أراه في أيديهم. وبصفتي خجولاً جداً (حتى الآن) فلا أستطيع أن أطلب شيئاً إلا بواسطة، سواء أخت أو أخ أو بواسطة الأم.
أساليب التربية التي لدى الآباء تختلف من فترة لأخرى، ومع نجاح اسلوب التربية من والدينا تلك الفترة، إلا أنهم لايعملون بها الآن. أجد نفسي أحياناً أقارن بين إخوتي الصغار وبين ماكنا نأخذه ومايحق لنا في السابق. كان وصولنا إلى مجلس الرجال عمل نستحق عليه العقوبة، إما برفع اليد أو القول الغليظ. في أحد نقاشاتي مع أحد إخوتي الأصغر مني سِناً، دار حديث حول مالنا وعلينا عندما كنا صغاراً، فلم أحصل على ماحصلوا عليه، انا وأخي الأكبر مني والأصغر مني مباشرة لم نحصل على دراجة هوائية من أبينا، وكذلك ابن عمي الذي في سني، فلم نحصل على شيئ من هذا القبيل إلا مرة واحدة من عمنا الذي لم يكن يسكن معنا في المنطقة، فقد كان في منطقة أخرى، وفي إحدى الإجازات قدِمَ وأتى بهذه الدراجات لنفرح بها فرحاً لانظير له. أما إخوتي اللاحقين فقد حصلوا على أكثر من واحدة، وأكثر من لعبة وأكثر من حظٍ أيضا.
كان أبي -أمدّ الله في عمره- ولا زال ملتزماً دينياً وحازماً في هذا الأمر، وقد لاتصدقون أن جهاز التلفزيون لم يدخل بيتنا حتى هذه اللحظة، والحمد لله أنه لم يدخل، فقد رأينا الثمار عندما كبرنا، فليست لدينا جميعاً أهتمامات فنية، ومتابعات للفضائيات الفارغة. وكل هذا إضاعة للوقت فيما لافائدة ترجى من وراءه. أكمل القراءة »